وخير جليس في الأنام كتاب

باعد بيني وبين نشوة تواصل المحب لكتابه تكاثف مشاغل وتوالي سَفَرات وتزاحم مسؤوليات، حتى كأنه لم يكن بيني وبين الكتاب مودة غامرة، ولم تجمعنا مراراً لقاءات أحبة، وجلسات شغف معرفي ونهم علمي، حتى وجدت ضالتي المنشودة مؤخراً بين أسطر كتاب سنحت فرصة للاطلاع عليه، فكأني بلسان حاله يقول أما يسرّك صلة بي؟ ألم يشقيك بعدك عني؟ أيترك المرء أهله وأحبابه؟ عندها عاودني ذلك الشعور الذي كان ينتابني دوماً بحلاوة الاستغراق بين دفتي كتاب، والشَّوْر من صافي رحيقه.

عدت بعدها أتساءل: هل تملّك هذا الشعور أفئدة كثير من القراء؟ هل تذوقت الأسر في مجتمعاتنا حلاوة هذا المفهوم للقراءة؟ أم تراها قد أخضعت رقاب قدراتها الفكرية لطاقات الآلة المطورة، فتملّك التلفاز عليها لبابها، وصارت المنافسة في الألعاب الرقمية منتهى آمال صغارها، وخسر الجميع إثراء ثقافياً طالما أحيا أمما من مواتها.

ولقد أجدني مضطراً – والحال كذلك – إلى إطلاق نداء من الروح الثقافية التي تكاد تختنق في مجتمعنا، أبثه إلى مسامع التربويين أسألهم فيه الإشفاق على الناشئة من طغيان الآلة وضحالة إثرائها الثقافي، واستنفاد الطاقات بذلك، والعودَ بهم إلى واحة المطالعة النافعة، إلى الكتاب – موطن الثقافة – ليكون ذلك الرافد الأساس والعنصر الموازي الأهم لعملية التعليم، بعد أن تغيرت معالم الثقافة، واكتسبت وجوهاً متعددة قد تكون في غالبها بعيدة عن معنى بناء فكر الإنسان وصقل روح المعرفة لديه.

وقد يقول قائل: ألا يكفي ويزيد ما يحصله المرء عبر الشبكة العنكبوتية الهائلة من توسع غير محدود لأفق المعرفة لديه؟ وله أقول: للكتاب روح خاص لا يمكنه التلبس بآلة مهما تطورت، وللآلة المعرفية توسع قد لا يحويه كتاب. إلا أنه – وللأسف – لقد حوت الآلة الغث والسمين، فتاه الناشئ بقاربه المتواضع في عباب بحرها، ولم يجد في الغالب رباناً مرشداً، وصار الكتاب بالمقابل عند البعض زينة في المنزل يتباهى بغلافه الفاخر وورقه الصقيل.

ولا أخفيك سراً – أخي القارئ – إن أعلمتك بأن الإدمان الثقافي الآلي لم يحرز تقدماً يلحظ في تثقيف الأمة، بيد أن سابقَهُ الكتاب أنتج ثلة مباركة من أهل الفكر الثقافي، وأثلج صدورنا بنوابغ مشهود لهم في المعرفة والرأي.