نساؤنا إلى أين؟

وصف الكتاب

انطلق الكاتب في بحثه الحالي من الصراع والجدل حول حقوق المرأة، والدعوات التي يتشدَّق بها الغرب لإنصاف المرأة وتحريرها من سيطرة الرجل، تلك الدعوات التي تجانب الحقيقة في الواقع؛ حيث إنه لا تتمُّ مساواة المرأة بالرجل بالأجور لديهم، ويستغلُّون مفاتنها وجسدها لترويج بضاعتهم والتسلية والمجون.

إن الأساس السليم الذي قرر فيه الإسلام العلاقة بين الرجل والمرأة، وصاغها بما يحفظ لكلٍّ دوره ووجوده، وجعلها علاقةً تكامليَّةً، ووضع المرأة في المكانة السامية التي تستحقُّها.

وأشار الكاتب لتعريف مصطلح التغريب وهو: (نشر الثقافة الغربية بين المجتمعات الإسلامية). ويهدف التغريب الذي يخدم المصالح الاستعماريَّة لتذويب الشخصية الإسلامية في الشخصية الغربية، بحيث تفقد سماتها المميزة، وتعتنق كلَّ ما هو غربي دخيل على فكر الأمة العربيَّة، وبالتالي ينسلخ الفرد ممَّا يمتُّ للثقافة والشريعة الإسلامية بصلة.

المرأة في الجاهلية:
أما بالنسبة لحال المرأة في الجاهلية، فلم تحتلَّ المرأة مكانةً مشرفةً في مجتمعاتها، وعانت من الظلم والاضطهاد.

بالنسبة للجاهليَّة العربيَّة، تفاوتت القبائل العربيَّة في معاملتها للمرأة عبر العصور الجاهليَّة، فرغم أن المرأة قد وصلتْ للحكم، كما في اليمن وتَدْمُر، وقامت لأجلها الحروب التي امتدت لسنوات، إلا أن تلك الصورة المشرقة لا يمكن تعميمها، فقد انتشر وَأْدُ البنات لدى العرب في الجاهلية، وتُحْرَم الميراث، وغيرها من أوجه الاضطهاد التي مورست ضد المرأة لدى العرب في الجاهليَّة.

ولم يختلف وضع المرأة لدى الأمم الأخرى، ففي الحضارة اليونانيَّة، وكما ذكر أشهر فلاسفتهم (أفلاطون)، الذي دعا للمدينة الفاضلة، فقد كانت المرأة أداةً للرجل؛ للذة والحمل والإنجاب! أما عند الرومان، فقد كانت المرأة خادمةً لسيِّدها، وهي ملك لوليِّها، سواء كان أبًا أم زوجًا، ولا حق لها في التصرف أو إبرام العقود؛ فهي ناقصة الأهليَّة.

أما عند الفرس، فقد كانت المرأة مباحةً كالمتاع، ومشاعًا جنسيًّا؛ لذلك اختلطت لديهم الأنساب.
أما عند اليهود، وفي تعاليم توراتهم المحرَّفة نرى اضطهادًا واضحًا للمرأة، حيث تُباع المرأة وتؤجر لأَجَل، أو تُباع بيعَ الرقيق، أو تقتل وتوصف المرأة بأبشع الصفات في كُتُبهم الدينيَّة.
أما عند النصارى، فقد مُنحت المرأة بعض حقوقها، وأُعطيت مسؤولية في نشر الدين، إلا أن بعض التشريعات أجحفت بحقوق المرأة، والتي ظاهرها تكريم لها، مثل تحريم تعدُّد الزوجات والحد أو منع الطلاق، ومع ذلك لم تمنع الرجل من التعسُّف ضد المرأة وازدرائها.

أما وضع المرأة في الجاهليَّة الغربيَّة الحديثة، فقد مارست اضطهادًا واضحًا ضد المرأة تحت شعار الحرية والمساواة، فمن استغلال لجسد المرأة، وامتهان له، حيث انتشرت حالات الاغتصاب وهتك عرض المرأة، مما دفع بكثير من النساء للانتحار، وأدى لتحرُّر وتنصُّل الرجل من واجباته تجاه المرأة، فليس من الغريب أن يتناول زوجان الطعام في مطعم، ويقوم كلٌّ منهما بدفع فاتورته، وليس من الغريب أن يهجر الرجل زوجته، ويترك لها مسؤولية تربية الأولاد بمفردها؛ حتى أصبحت المرأة الغربيَّة تحنُّ لأن تكون سيدةً في بيتها فقط.

ففي استطلاع لشبكة (سي إن إن) أظهرت نتائجه أن 45 % من الأمريكيَّات يعتقدن بأن نشاط وعمل المرأة لم يؤدِّ لخير، وأن الرجل يجب أن يعمل خارج البيت؛ لتأمين سُبُل المعيشة لعائلته، بينما تتفرَّغ المرأة لواجباتها العائليَّة في البيت.

إذًا؛ ملَّت المرأة الغربيَّة حال التحرُّر والضياع الذي تعيشه، ونحن ترتفع لدينا الأصوات لتغريب المرأة وإبعادها عن دينها الذي وفَّر لها الحماية والحياة الكريمة، وحفظ لها شرفها وحقوقها من أول يوم بحياتها إلى آخر يوم توارى فيه بالتراب.

أولئك دُعاة التغريب من أبناء جلدتنا ينطبق عليهم قوله – تعالى -: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46].

حقوق المرأة في الإسلام:
شرع الإسلام للمرأة حقوقًا وفرض عليها واجبات كأي فردٍ فاعل في مجتمعه، وراعى الإسلام طبيعة تكوين المرأة، وبنيتها النفسيَّة والفسيولوجيَّة، فاحتلَّت المرأة مكانةً مرموقةً في المجتمع الإسلامي، ومارست أدوارًا لم تُتح لها في الماضي، وأكَّدت النصوص الشرعيَّة من القرآن الكريم والسُّنة النبويَّة أهمية احترام المرأة، والمحافظة عليها، منها قوله – صلى الله عليه وسلم -: ((استوصوا بالنساء خيرًا))، وقوله – صلى الله عليه وسلم -: ((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)).

ومن أهم الحقوق التي شرعها الإسلام للمرأة: حقُّ المهر (الصداق)، وهو حق خالص للمرأة، فرضه على الرجل الذي يريد زواجها، ولا يحق لأحد أخذه، والتصرف به سواها إلا عن طيب نفس منها؛ لقوله – تعالى -: {وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4].

أما حق النفقة فقد دلَّ على المكانة الرفيعة، واهتمام الإسلام بحماية وتأمين المرأة، حيث تجب نفقة الرجل للمرأة في جميع أحوالها، من أبيها أو وليِّها، إذا كانت بكرًا أو ثيِّبًا، أو على الزوج إذا كانت متزوجةً، وتشمل النفقة إطعام المرأة وكسوتها، وتوفير السكن الملائم، ويتضح ذلك بقوله – تعالى -: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [الطلاق: 6].

أما حق التملُّك، فهو ميزة الإسلام عن غيره بلا منازع، فلم يحرم الإسلام المرأة حقَّها في الميراث؛ لقوله – تعالى -: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء: 7]، وشرع لها حقَّ الوصية، والتصرف بمالها، وإجراء كافة العقود، والمعاملات التجارية، وحرية مقاضاة الخصم دون الرجوع لزوجها أو وليِّها؛ فهي صاحبة أهليَّة وحق تتصرف به كيفما شاءت ضمن حدود الشرع، وكرَّس الإسلام حقَّ حرية التعبير عن الرأي ودعا له، ولم يجحد النساء هذا الحق، فاعتبر النساء شقائق الرجال، والتاريخ الإسلامي مليء بالشواهد على دور المرأة في الحياة العامة، واستشارتها بأمور عموم الأمة، منها حادثة عمر الفاروق الذي أراد أن يحدِّد المهور، فوقفت أسماء بنت يزيد، وقالت: “ليس لك ذلك يا أمير المؤمنين”، فقال عمر مقولته المشهورة: “أخطأ عمر وأصابت امرأة”.

أما حقُّ المرأة في البر والإحسان إليها، فهو تكريم رفيع، شرَّفها به الإسلام، فهي الأم التي لا يدخل الجنة بدون رضاها ورضا الوالد؛ لقوله – تعالى -: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23]، وهي الأحق بالصحبة والرعاية، فذكرها – صلى الله عليه وسلم- ثلاث مرات؛ تعظيمًا لشأنها: ((أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك))، وحتى إن كانت المرأة لا تدين بالإسلام، فرض الإسلام على أبنائها الإحسان إليها، والقيام بحقوقها، وهي صورة متطورة لسماحة ورقي الإسلام في عدم الإساءة للآخر أو المختلف.

وبالمقابل فقد أوجب الإسلام على المرأة حقوقًا لغيرها، لا بد من تأديتها من حق الأسرة عليها، كالأمومة، وحق الطفل على أمه من رعايته وتربيته وإرضاعه، وتنشئته التنشئة الصالحة بالتعاون مع والده، وحقوق الزوج على زوجته، من طاعته في غير معصية للخالق، والمعاشرة بالمعروف، وحفظ بيته وعرضه في غيابه، ومسؤوليتها عن بيتها وتدبيره، وقد جعل الإسلام من طاعة المرأة لزوجها وقيامها بواجبات بيتها عبادةً ترتفع بها عند الله، كما جعل نفقة الرجل وقيامه بحقوق أهل بيته من الطاعات التي يؤجر بها الرجل، وترتفع درجاته عند الله – تعالى. وليس أدل على أهمية تأدية حقوق المرأة بعد النصوص التي ذكرها القرآن الكريم – من تشديد الرسول – صلى الله عليه وسلم – في حجة الوداع على ضرورة تأدية الرجال لحقوق المرأة وإكرامها؛ فقال – صلى الله عليه وسلم -: ((ألا واستوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنما هن عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك، ألا إن لكم على نسائكم حقًّا، ولنسائكم عليكم حقًّا، فأما حقكم على نسائكم: ألا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم: أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن)).

موقف الإسلام من عمل المرأة:
لا شك أن الإسلام ساوى بين الرجل والمرأة في أصل الخِلقة، وهذا ترتب عليه المساواة في التكاليف الشرعية والمسؤولية والجزاء، من حيث فرضُ القيام بالعبادات، والفرائض، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن راعى الإسلام في تعاليمه تلك طبيعة تكوين المرأة وبِنْيَتها، بل شرع لها ما يتناسب مع طبيعتها وبِنْيَتها، مثال ذلك القضاء في الصيام للمرأة الحائض. فالإسلام راعى الفروق الجسديَّة، ولم يغفلها بما يضمن حماية وتكريم المرأة، أما مسألة الفروق العقليَّة، فقد قرَّرها الإسلام منذ (14 قرنًا)، وجاءت الدراسات الحديثة متأخرةً لتؤكدها، فالمرأة ناقصة عقل ودين، ونقصان عقلها بعدم قبول شهادة امرأة واحدة، ونقصان الدين لتركها الصلاة والصيام بسبب الحيض، ويأتي نقصان العقل هنا من قلة أو ضعف ضبط المرأة للأمور. أما بالنسبة للفروق النفسيَّة، فهي ناتجة عن الفروق الجسديَّة والعقليَّة، والتي انعكست على عواطف وانفعالات المرأة التي تغلبها، فمشاعر الأمومة تغنيها بالعاطفة والحنان والرحمة، والزوجيَّة تغني مشاعر الغيرة، أو الكيد لديها، وبالتالي فإن عاطفتها تغلبها، وبالتالي كانت سببًا في عدم ضبطها للأمور؛ مما أدى لنقصان عقلها.

وقد شرع الإسلام العمل للمرأة وضبطه بما يتلاءم وطبيعتها، وبِنْيَتها، وتركيبتها، وبما يتناسب مع دورها ومكانتها في المجتمع، وبما يوفر لها الحماية والأمن من الوقوع في المعاصي والرذائل؛ لأن أهم عمل وأشرفه على الإطلاق هو قيام المرأة بواجبات أسرتها، وأداء حقوق زوجها وأبنائها، بل إن المرأة التي تؤدي جميع تلك الحقوق لزوجها وأبنائها، قد كافأها الله – عز وجل – بأن أثابها أجر المجاهد، أو الحاج، أو الداعية إلى الله، إن كان انشغالها في تأدية واجباتها البيتيَّة يشغلها عن القيام بمزيد من العبادات، والتقرُّب من الله – عز وجل – كما جاء في قصة أسماء بنت يزيد وافدة النساء لرسول الله – صلى الله عليه وسلم.

وأجاز الإسلام للمرأة العمل خاصة في حالات الضرورة، مثل عدم وجود من ينفق عليها، وغياب التكافل الذي يوفر لها النفقة والمعيشة، ولم يحرم الإسلام المرأة من العمل، حتى إن لم يكن ضرورةً، لكنه ضبط ظروف العمل بضوابط شرعيَّة تحفظ المرأة وكرامتها، ومن المهن التي زاولتها النساء في الإسلام: الطب، والتمريض، والجهاد، وبعض الأعمال السياسيَّة، والتعليم، والغرس، والزراعة، وفي ظل الظروف الاقتصاديَّة الحالية وانتشار الفقر تضطر المرأة للعمل؛ لإعالة أسرتها، ولكن يفضل أن تعمل المرأة في المجالات التي لا يوجد فيها اختلاط، وقد ذكر الكاتب أمثلةً على ذلك، منها: الدعوة في محيط الأسرة والمجتمع، تعليم النساء الطب والتمريض، مكتبات النساء، الجمعيات الخيريَّة النسائيَّة، الإشراف الإداري على النساء، الملابس والتصميم والخياطة النسائية، الحِرَف النسائية، كصياغة المجوهرات، التصوير للسيدات، التدريب للسيدات على استخدام التكنولوجيا، والحاسوب، وإدارة المشاريع وإبرام الصفقات عبر الإنترنت دون الاختلاط مع الرجال، وغيرها من المهن التي توفِّر بيئةً آمنةً للنساء، ولا تشجع الاختلاط.

ولقد اشترط الإسلام لعمل المرأة أمورًا توفر الحماية لها، ولمجتمعها، وتصونها، وتحفظها من نفسها، وغيرها، فلا يجوز عمل المرأة إلا بعمل مشروع يتوافق مع طبيعة وتركيبة المرأة، كالتعليم، والطب، والتمريض، ولا بد أن تتحلَّى المرأة بتقوى الله، وتلزم حجابها، ولا تخلعه، وعدم الاختلاط بالرجال، كما أنه لا ينبغي أن يتعارض عمل المرأة مع واجباتها الأساسيَّة في بيتها، ويؤدي لتقصير في أداء حقوق أبنائها أو زوجها، ولا بد للمرأة من إذن وليِّها عند عملها؛ لأن الرجال قوَّامون على النساء، ومسؤولون عنهن، ولم يدع الإسلام المرأة لعملٍ فيه تسلُّط على الرجال، وسيادة عليهم، كالإمارة والوزارة.

الآثار المترتبة على خروج المرأة للعمل:
يستند دُعاة ومؤيِّدو عمل المرأة لحجج، منها تفعيل نصف قوى المجتمع الاقتصادية المعطَّلة؛ وذلك لتحقيق فوائد، منها حماية كيان الأسرة، وزيادة مُدَّخرات الأسرة، وبالتالي المدخرات الوطنيَّة؛ لأن المرأة أكثر تدبيرًا من الرجل، وتوفير فرص جَلب أُسرٍ وافدة للدول التي لا تشجِّع عمل المرأة، كالسعودية، ودول الخليج العربي، وأن عمل المرأة ضمان لمستقبلها، ويعزِّز شخصيتها واستقلاليتها عن الرجل، إن هذه الحجج الواهية مردودة على أصحابها؛ فقد أضاف خروج المرأة للعمل نفقاتٍ إضافيَّةً على الأسرة، من نفقات الخدم، والمربية، والملابس، وزينة المرأة، وبالتالي يؤدي عمل المرأة لزيادة الاستهلاك والنفقات، ويترتَّب على عمل المرأة تناقص المواليد، وذلك بسبب أخذها لموانع الحمل، مما يؤثِّر في دول غنية، مثل السعودية، والإمارات، وغيرها من الدول ذات الكثافة السكانيَّة المنخفضة، وقد أدَّى عمل المرأة لنتائج وخيمة، تمثَّلت في إحضار آلاف الخادمات، وعملهن بالمنازل، مع ما يترتب على ذلك من مخاطر اجتماعيَّة.

ولنأخذ تجربة المرأة الغربية في العمل، فهي السبَّاقة في هذا المجال، لقد أدَّى عمل المرأة ومساواتها بالرجل في الغرب إلى نتائج كارثيَّة على تلك المجتمعات باسم التحرُّر، انتشرت جرائم الزنا، وكثرت حالات الطلاق والإجهاض؛ مما زاد من نفقات الدولة على تلك الفئات من المطلقات وأبناء السفاح، أصبحت المرأة تعمل لتأكل، وإن لم تعمل جاعت، حيث إنه لا يوجد لديهم نظام نفقة، أو تكافل اجتماعي، حتى إن الأب والأم المسنَّة لا يعوله أبناؤه، وبالتالي تكثر لديهم دور إيواء المسنين.

وقد أصبحت المرأة في المجتمعات الغربية تحن لممارسة دورها الطبيعي، وتفضله على المناصب العُليا المغرية، على سبيل المثال تخلَّت (بارنز Barins) رئيسة عمليات بيبسي كولا في شمال أمريكا عن منصبها بعد 22 سنة من العمل؛ للقيام بواجباتها كأم تجاه أطفالها، وبالمثل تخلَّت (Beni Hegiz) عن منصبها كرئيسة لشركة كوكا كولا في بريطانيا، وهي في ريعان شبابها (35 سنة) عن منصبها لأجل مولودها.

إن ما تتعرَّض له المرأة الغربية في ميادين العمل يجعلها تحنُّ لهذا الماضي، حيث المرأة ترعى أطفالها وأسرتها فقط، تشير إحصائيات إلى أن 90 % من النساء العاملات في الولايات المتحدة تعرَّضن للتحرُّش الجنسي في بيئة العمل خلال حياتهن العملية، إن انعدام الضوابط الأخلاقيَّة، وانتشار الزنا والحرية الجنسيَّة، أدى لاستفحال الاضطهاد الجنسي الذي تتعرَّض له المرأة الغربية، حيث إنها تعي أنها لا بد أن تقدِّم التنازلات في سبيل الحصول على الوظيفة، أو البقاء فيها، فإن لم تفعل، فإن غيرها الكثير على استعداد للقيام بذلك، وإن لم تفعل هي، جاعت!

ومن المحزن ما تتعرَّض له المرأة الغربية باسم الحرية من اعتداءات جنسيَّة، واغتصاب في بيئة العمل دون استطاعتها إثبات ما حدث، بل إن كثيرًا من النساء المعتدى عليهن، يحجمن عن التبليغ عما يتعرَّضن لهن؛ لصعوبة إثبات الحادثة، وما يترتَّب عليها من دعوى قذف يرفعها عليها الجاني، ويشير تقرير مجلة الطب النفسي الأمريكيَّة (1994) أن 42 % من النساء العاملات تعرَّضن لاعتداء جنسي في العمل، ورفعت 7 % فقط من تلك الحالات للجهات المسؤولة، وأن 90 % ممن تعرَّضن للاعتداء يتأثرن نفسيًّا، وأن 12 % فقط منهن يذهبن لطلب المعونة الطبية النفسيَّة.

مظاهر تغريب المرأة المسلمة:
ركَّزت حملات ودعاة تغريب المرأة على ثلاثة محاور: الشكل، والأخلاق، والعادات، والتقاليد، وكان هدفهم دائمًا المرأة العاملة، فهي الأسهل والأقل حماية بخروجها من قلعتها (بيتها).

من مظاهر التغريب المتعلقة بالشكل ما نشهده من لهاث المرأة وراء ما يُسمَّى الموضة، وإنفاقها الزائد على الملابس وأدوات الزينة، وما يتبع ذلك من مظاهر الإسراف، فلا تلبس المرأة أكثر من مرة أو مرتين، وذلك تبعًا لأهمية منصبها وعملها، ولا شك أن (من تشبه بقوم، فهو منهم)، ويؤدي لذوبان الشخصيَّة المسلمة، وفي ذلك خروج عن تعاليم ديننا، كما أن تلك الصناعات، من دُور أزياء، وعطور، ومكياج، معظمها ملك ليهود، مما يصب في مصلحة أعداء الإسلام، بالإضافة للخسائر الاقتصادية، حيث ينفق 30 % من ميزانية الأسرة على ملابس، وأدوات زينة المرأة، وتزداد هذه النسبة بازدياد دخل الأسرة، ومنصب المرأة وتعليمها، وتقل مع انخفاض مستوى دخل الأسرة، ومنصب المرأة وتعليمها.

أما مظاهر التغريب المتعلقة بالأخلاق، فقد جاءت من خلال الغزو الثقافي للمجتمعات الغربية، من خلال المدارس المسيحيَّة، والمدارس الأجنبية في البلاد الإسلامية، حيث يتم زرع بذور الشك في عقول أبناء المسلمين، وتنمو معهم، وكانت أهم الثغرات التي هاجم من خلالها دعاة التغريب المجتمعات الإسلامية المحافظة هي استخدام المرأة، فكانت البداية نزع الحجاب، وتبعها الاختلاط في العمل، والسفور، ونشر ثقافة السفور، والإباحيَّة، مما يجر ويلاته على الأمة الإسلامية، من نتائج نراها ظاهرةً في مجتمعاتنا التي تُسمَّى منفتحةً، وهي تعاني من انتشار الرذيلة والزنا، وتأخر سن زواج الشباب والشابات.

أما مظاهر التغريب، فيما يتعلَّق بالعادات والتقاليد، تتمثَّل في ظهور عادات غريبة عن المجتمعات، والتعاليم الإسلامية، من مشاركة المرأة للرجل بالاحتفالات العامة وفي العمل، سفر المرأة دون محرم لأداء مهام العمل، الاحتفال بأعياد غير دينيَّة، مثل أعياد الميلاد، وعيد الأم، وعيد الحب، والاحتفال مع النصارى بأعيادهم في رأس السنة الميلاديَّة، ونسب المرأة لعائلة زوجها بدلاً من عائلتها، أو التمسُّك بلبس خاتم الخطوبة، أو الزواج، باعتباره أمرًا مُقدسًا يجب الحفاظ عليه، وغيرها من الأمور الدخيلة علينا في حياتنا، حيث أصبحت مألوفةً لدينا، ولا تجد استهجانًا، أو إنكارًا لها، وهذا ما يرمي إليه دُعاة التغريب والأعداء من سلخ الأمة وتغريبها عن دينها، وعاداتها، وتقاليدها الأصيلة.

في الخاتمة، يؤكِّد الكاتب على أهمية ما جاء سابقًا، من حيث إن الإسلام كرَّم المرأة، ورفع من شأنها، بعكس الأمم والثقافات الجاهلية السابقة، والثقافة الجاهليَّة الغربيَّة الحديثة، كما أورد الكاتب الأدلة والنصوص الشرعية لحقوق المرأة في المهر والنفقة والتملك، والتعبير عن الرأي والبر والإحسان، وبيَّن واجباتها، وأهمها واجباتها نحو أسرتها، وأبنائها، وزوجها.

من أهم حقوق المرأة التي فرضها الإسلام:
النفقة التي تغني المرأة عن العمل خارج منزلها، وتحفظها من مخالطة الرجال، وتصونها من الحاجة للناس، ويردُّ الكاتب على أصحاب دعوة عمل المرأة بأنه لا فائدة اقتصاديَّة من عمل المرأة خارج منزلها، وأن عملها خارج المنزل يؤثر سلبًا على أفراد أسرتها، ويعرِّضها لمخاطر هي في غنًى عنها، من اعتداء، أو ابتزاز جنسي، كما حدث للمرأة الغربية، ويؤدي لزيادة نفقات الدولة والأسرة والمرأة نفسها.

وحتى في حال عمل المرأة، فإن هناك مجالات متاحةً لعمل المرأة تتناسب وتركيبتها الجسديَّة، والعقلية، والنفسية، ولا بد من مراعاة الضوابط الشرعيَّة في عمل المرأة، حتى في المجالات المتاحة لها، وأهمها ألا يتعارض مع مهمتها الأولى، ومسؤولياتها تجاه أسرتها، وعدم الاختلاط، والتزام الحجاب، وتقوى الله – عز وجل.

ويقر الباحث باستفحال كثير من مظاهر التغريب، من حيث الشكل الذي لا يقتصر على المرأة فقط، والتي تقلد الموضة، وتنجرّ وراء صيحات الغرب بشكل جنوني، بل للأسف أصبح الشباب مقلِّدين للغربيين أيضًا، كذلك شملت مظاهر التغريب عاداتنا وتقاليدنا، والأخلاق التي دخل عليها الكثير من مظاهر التغريب كما ذكر سابقًا، وفي النهاية يدعو الكاتب إلى ضرورة اقتداء الدول العربيَّة الإسلاميَّة، والمرأة المسلمة تحديدًا بأنموذج المرأة السعودية العاملة، والتي تراعي الضوابط الشرعيَّة في سياق عملها.

وندعو الله أن يحفظ مجتمعاتنا الإسلامية، وأن يهديني ونساء المسلمين أجمعين لتقواه ومخافته وطاعته – عز وجل – وصلى الله على سيدنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

وجزا كم الله خيرًا على هذه البادرةِ الطيبة في الدعوة إلى الله والدين بأسلوب مختلف.

تحميل الكتاب