انحراف الشباب وطرق العلاج على ضوء الكتاب والسنة

وصف الكتاب

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله، فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحْدَه لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فلقد وقفتُ على موضوعِ انحراف الشباب، وطرق علاجِه على ضوءِ الكتاب والسنة، فرأيت فيه موضوعًا متميزًا جديرًا بالعناية والاهتمام؛ لما حوته صفحاته من تسليط الضَّوء على مكامن ومواطن الخلل لدى شبابنا، وأسباب ولوغهم في عالم الرذيلة والفساد، ولمحته – أيضًا – طرحًا وحوارًا هادئًا يعرج على معضلات الشباب، ويتطرق إلى أسباب ودوافع ميولهم وجنوحهم إلى عالم الانحراف، فالعزوفُ عن الدراسة، والمعاكسات، والمخالفات المرورية، وإدمان المخدِّرات – أضحت مظاهر وقواسم مشتركة بين شباب اليوم، تعكسُ مدى انحرافهم وتَمردهم، ثم إنَّ استفحالَ هذه المظاهر واستشراءَها في المجتمع يُعَدُّ نذيرًا يُوقظ كلَّ ضمير حي، وكل نفس أبية غيورٍ على هذه الأمة وأبنائها.
فالموضوعُ إجمالاً يتناول الدَّوافعَ التي تقفُ وراء هذه السلوكيَّات، وإسهامًا يقترحُ الحلولَ والعلاجات اللاَّزمة التي تكفُل لشبابنا الابتعادَ عن مظاهر الزيغ والانحراف، وتسير به إلى بر الأمان، وهذا هو الواجب؛ إذ إنَّ الطبيبَ الماهرَ لا يتسنى له وصف الدَّواء المثالي، حتى يقوم بتشخيص داءِ المريض، ومعرفة جذور المرض وأسبابه.
وعلى ضوء معرفة ودراسة أسباب انحراف الشباب تتحدَّد آليات وأدوات العلاج الممكنة، وكلنا على درايةٍ بمنزلةِ ومَكانة الشباب في المجتمع، وما تُمثِّله هذه الفئة الحساسة من ثروة، وقوة، وفهمٍ، ولبنة المجتمع وركيزته، وهم دعامة الأمة، فبقدر صلاحهم تؤهل الأمَّة لمكانة مرموقة بين الأمم، وتنتبذ منزلة راقية بين المجتمعات، والعكس هو الصحيح.
وإذا كان الأمر كذلك، وَجَب على الخيريين والدُّعاة والمصلحين أخذُ زمام المبادرة بالوقوف بعناية خاصَّة على ما يُميز حياةَ شباب الأمة، ودراسة همومهم واهتماماتهم ومتطلباتهم، وتقويم مظاهر الخلل في أفعالهم وسلوكياتِهم، فهو واجبٌ يُمليه دين الله – تعالى – وشريعته، ويُمليه واقع الأمة البائس أيضًا، وما يحدق بها من أخطار وأهوال تُهدد كيانها، وتعجل بزوالها، ثم قضية انحراف الشباب لم تعد قضية تخص إقليمًا معينًا، بل أصبحت هاجسًا يُؤرِّق كل البلدان والأقاليم الإسلامية – وإن كان الموضوع قد ألَمَّ بجوانب الانحراف في المملكة العربية السُّعودية، وألقى الضوءَ على ما يُميز حياةَ الكثير من شبابها.
وفي الختام جزى الله خيرًا كلَّ الأقلام الهادفة التي تتبنى وتتفاعل مع هموم وقضايا المجتمع، والتي تُواكب مُستجدات الأحداث ونوازلها، واستعملها الله – تعالى – أدواتٍ للخير تدعو إليه وتعين عليه.
{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33].
العزوف عن الدراسة:
يُعَدُّ العزوف عن الدراسة من بين الأسباب المباشرة في انحراف الشبابِ وسُلوكياتِهم السلبية؛ إذ إنَّك تلمحها بشكل بارز، لكنها بنِسَب متفاوتة من طور تعليمي إلى آخر، فتجد الشاب في المرحلة المتوسطة يعزف عن متابعة مشواره الدِّراسي في الثانوية، ومن تابع تعليمه منهم لا يُكمله، وأبرز صورة لظاهرة العزوف عن الدراسة تتجلى واضحةً فيما بعد الثانوية، فتجدُ البعضَ منهم لا يلتحق بمقاعد الجامعة والتخصصات العُليا.
وكل هذا مبني على أسباب عدة؛ لعل من أبرزها:
– رسم الطالب لنفسه آفاقًا مستقبلية مادية صرفة، وانحصار فكره حول الوظيفة، وكيفية الحصول عليها، فهو لا يرى جدوى من مُزاولة التعليم، طالما أنَّه لا يُتيح له تقلد وظائف مهنية.
– عدم مُواكبة الشاب للدُّروس المقترحة في تخصصٍ ما؛ بسبب مُخالفة هذا التخصص لميوله ورغباته التي كان ينشدها، فينتج عن هذا العزوفِ انقطاعٌ كلي عن الدراسة.
– غياب التوعية الأسرية، ونقص إرشاد الأولياء لأبنائهم حول أهمية الدراسة والتعليم، وافتقار المتمدرسين ليد العون في مَجالات تخصُّصهم الدراسية؛ مما يُعبِّد الطريقَ للأبناء باتِّخاذ قرارات حاسمة بترك الدراسة دون استشارة أهاليهم.
– طول الفترة التي يستغرقها الطالبُ في الدِّراسة؛ حيث تلْمِسُ من غالبية الطلاب نُفْرَتهم من أطوار التعليم المتعددة، ورغبة الكثير منهم في اختصارِ الزَّمن، وترك مقاعد الدِّراسة متى هُيِّئت له ظروفُ وأسبابُ الحصول على وظيفة.
– قد تُشكِّل نِسَبُ البطالة المتزايدة لدى خريجي الجامعات حافزًا مُهمًّا لترك الدراسة بالنسبة للمتمدرسين، وقد يرتقي هذا الإحساس ويتنامى عندما يكون شقيقُ المتمدرس أو أحد أقربائه يُعاني من شبحها.
ناهيك عن دوافعَ أخرى لها علاقة بالقائمين بمهمة التعليم؛ إذ تَجد عَلاقةَ المدرِّس بالطلاب فاترة إلى  ‎   أبعد الحدود، وتَلْمِسُ شساعةَ الهوةِ بين المعلم والمتلقي؛ حيث يغيب التفاعُل مع الدروس التعليمية، وتضيق قنوات الاتصال – إن وجدت – بينهم، فليس هناك إشعار بقيمة العلم والتعليم، وفي ظل غياب جو ومناخ مناسب يرغب الطالبُ في الدراسة، ويبعث فيه الإحساس بقيمتها أو تعليق آماله عليها، فعادة ما تكون عملية التعليم روتينًا مُمِلاًّ لا روحَ فيه بوسع الطالب أنْ يستغني عنه متى استطاع إلى ذلك سبيلاً.
وطبعًا بعد أن ينشأ الشباب هذه النشأة العقيمة من العلم والتعلُّم، تزداد حدة الجهل والأمية بينهم، فيكونون قد هيئوا لأنفسهم أرضيةً خصبة لزيغهم وانحرافهم، ومِنْ ثَمَّ يصيرون أهدافًا سهلة لسهام إبليس وأعوانه، فينقلبون إلى أدوات سلبية في المجتمع تُسهم في تخلفه وتقهقره إلى الوراء.
المعاكسات:
تُعَدُّ ظاهرةُ المعاكسات والمضايقات الهاتفيَّة من بينِ الظواهر التي تسترعي الانتباهَ وتستجلبُ العناية والاهتمام، فقد استفحل حدوثُها وانتشارها في المجتمع بصورةٍ لافتة، فلقد كانت هذه الظاهرةُ سائدةً في وقت من الأوقات، لكنها اليومَ أخذت أشكالاً وأبعادًا عِدَّة، لعلَّ مما أسهم في تناميها وتَزايُدها الثورة الحاصلة اليومَ في ميادين التكنولوجيا والاتصالات، لكن كما هو معهود في مجتمعاتنا لم تُستخدم هذه الوسائل في إطارِها الصحيح، بل وظفت توظيفًا آخرَ انعكس سلبًا على حياةِ الناس، وأسهم بقسطٍ وفير في تفكُّك نسيج وروابط المجتمع، وحسبك بالواقع المَعِيش؛ حيث تتجلى أمامك صورُ التفكك الأسري الحاصلة بسبب هذه التصرفات؛ مما أدى إلى فقدان المجتمع للكثير من بريقه الديني والاجتماعي.
وإذا ما وقفنا على هذه الظاهرة، فإنَّنا سنخلص إلى العديد من أسبابها ودوافعها، فهي نتاج:
– غياب الرقابة الأسرية، وعدم متابعة وتقويم سلوك الأبناء، فجلُّ الأولياء ينصبّ اهتمامُهم حول توفير لقمة العيش لأُسَرِهم، فهم غير مكترثين لطباع أبنائهم وتصرفاتهم.
– اعتماد الآباء على أساليبَ تربوية خاطئة، كمن يَمنح لأبنائه حقَّ التصرف المطلق، ولا يدري ما انعكاساتُ هذه الممارسات التربوية الخاطئة عاجلاً أو آجلاً؟
– تأثر الشباب بما تنقله إليهم القنوات الفضائية من صورٍ وأفلام، لا سيما الخليعة منها، والدِّراسة أثبتت أنَّ هذه الوسائل تؤثر تأثيرًا مُباشرًا على سلوك الإنسان وأخلاقه.
– للرفقة السيئة وأصحاب السوء باعٌ واضح في هذا السلوك؛ إذ عادة ما يزين هؤلاء للشاب هذه التصرفات السلبية، ويغرونه بها.
– رغبة الشاب في الاطلاع والاكتشاف من بين الأسباب الدَّافعة لهذه التصرفات، فالشابُّ يُريدُ فكَّ بعض الرموز والألغاز والطلاسم في حياته بدافعٍ من فضوله – دون مُراعاة الموانع والحدود الدينية والاجتماعية.
وقد ينجر عن هذه المعاكسات والمضايقات الكثير من الظواهر، التي تنعكس سلبًا على حياة الناس، وعلى حياة الشباب بصورة خاصة، لعلَّ من أبرزها:
– إهدار الشَّبابِ لطاقته، وتضييعها فيما لا فائدةَ من ورائه، وتفويت فُرَصِه في تحصيل علمي نافع يُدِرُّ عليه وعلى مجتمعه بالفائدة.
– كثيرًا ما تحصل لهؤلاء الشباب اختلالات نفسية يفقد من خلالِها الكثير من هدوئه ورزانته، وقد يحصل له ما لا يحمد عليه من اقترافٍ للفاحشة والعياذ بالله.
– وقوعُ الفتاةِ ضَحِيَّةً لهذه المعاكسات، وانسياقها لهذا الشاب ولكلامه المعسول، وقد يكون هذا استدراجًا لها، ووقوعها في الفاحشة، وفقد كرامتها وشرفها.
المخالفات المرورية:
لقد بات من المؤكد أنَّ ظاهرةَ المخالفات المروريَّة – خصوصًا في الآونة الأخيرة – تَدُقُّ ناقوسَ الخطر، وأصبحت تشكل هاجسًا ومشكلاً حقيقيًّا، وأضحى منحاها التصاعُدي يستوجب الحلَّ، ويدعو إلى الاهتمام، ولا بُدَّ من مُناقشة هذه المعضلة، ورفعها إلى أعلى المستويات، وتوظيف كل الحلول المواتية والمناسبة لها، مع عدمِ الاكتفاء بالحلول الرَّدعية فحسب، كالعقوبات مثلاً، بل لا بد أن يرافق هذا حملات تَحسيسيَّة بين الشباب خصوصًا، وتحميلهم المسؤولية المباشرة عن هذه المخالفات؛ إذ إنَّ الأمر مُتعلق بتعريض حياتِهم وحياة الآخرين للأخطار والمهالك.
وحسب ما كشفت عنه الدِّراسات، فإنَّ السرعةَ المفرطة، وقطع الإشارات والفوضى وسطَ الطرقات من أكثر المخالفات التي يرتكبها الشباب، وبنظرةٍ سريعةٍ إلى إحصائِيَّة الإدارة العامَّة للمُرور حول أسباب الحوادث في المملكة العربية السُّعودية للأعوام: ١٤١٦هـ، ١٤١٧ هـ، ١٤١٨هـ نجد أن السرعة الزائدة تحتل المركزَ الأول من بين أسباب الحوادث، يليها عدم التقيُّد بإشارات المرور، وذلك كما هو موضَّح في الجدول التالي:
ومن خلال هذه الدِّراسة يتحدَّد لنا أنَّ نسبةَ الزيادة في السرعة تفوقُ نسب المخالفات الأخرى، وهذا ما يَجعلنا نطرح – وبإلحاح – ونطالب الجهات المعنية بضرورةِ التكفُّل بهذا الملف الحساس، والذي عادةً ما تكون تكاليفه ونتائجه باهظة، ليس على المستوى الاقتصادي بقدر ما هو جناية في حقِّ أنفسِ الناس وأرواحهم.
إدمان المخدرات:
المخدرات، وما أدراك ما المخدرات؟! هذه الظاهرة التي أضحت اليومَ مَرَضًا فتاكًا مُستعصيًا، وآفة حقيقية بامتياز، ألبسها عبورها للحدود والقارات ثوبَ العالمية، فصارت تصول وتجول من إقليمٍ إلى إقليم، ومن قُطر إلى آخر، وما أن تحط رحالَها بأيِّ مكان إلاَّ وتسقط ضحاياها – خصوصًا الشبابَ منهم – ذات اليمين وذات الشمال، وتَهوي بهم في مكان سحيق، ولا نبالغ إن قلنا: إنَّ هذه الآفة تتصدر لائحةَ أمراض المجتمع الخطيرة، وتتربع على عرشها؛ لِمَا لها من أضرار بالغة على الفرد وعلى المجتمع ككل، ولا أظن أنَّ المساحة كافية لبسط القولِ والإلمام بموضوع المخدِّرات؛ إذ إنَّ الأمر يتطلب أبحاثًا مُستقلة ودراسات وافية لتشريح هذه الظاهرة، والوقوف على كثيرٍ من مضامينها، واتِّخاذ التدابير الوقائية والعلاجية اللاَّزمة للتخلُّص منها، أو الحد منها.
وبكل أسف قد زحفت هذه الظاهرة إلى جميع الأقطار الإسلامية، وانتشرت بين أوساط شبابها، حتى وصلت إلى أرض الحرمين الشريفين الطاهرة، وإن كانت حدتها أقل نوعًا مما هي عليه في بلادٍ أخرى، لكن مع كل هذا وجب أخذ الأمور بعناية بالغة، وإلباس القضية لباس الجِدِّ في التعامُل والتعاطي معها.
وهنا لنا وقفات مع أبرز الأسباب التي أدت إلى تعاطي هذه السموم وإدمانِها، كما أثبتتها الدراسات، فمنها الشخصية المتعلقة بالشخص نفسِه، ومنها الاجتماعية المتعلقة بالبيئة والمحيط، فالشخصية مثلاً:
– إثبات الرجولة ومُحاولة التخلُّص من ربقة الأسرة.
– التقليد والتأثُّر بالآخر.
– التسلية والمرح.
– الفضول وحب الاستطلاع.
– نسيانُ المشاكل والهموم وتراكمات الحياة.
أمَّا الاجتماعية، فمنها:
– غياب الرقابة الأسرية.
– الأساليبُ التربوية الخاطئة، كالقسوة في معاملة الأبناء مثلاً، أو تدليلهم الزائد، أو التمييز بينهم.
– فتور الوالدين أحدِهما أو كليهما في التديُّن، وعدم الانضباط، والتقيد بالأمور الشرعية.
– التفكك الأسري؛ حيث يبدأ بالخلافات الزَّوجية، وقد ينتهي إلى الأسوأ، وهو الطلاق.
– غيابُ ربِّ الأسرة الدائم والمستمر عن بيته وأبنائه؛ لظروف العمل (شهورًا كانت أو سنوات).
– وفاة أحد الوالدين.
الآثار السلبية للمخدرات:
يُمكننا أن نَخلُصَ إلى آثار تعاطي المخدِّرات السلبية على مستوى الفرد:
– فقدان التركيز واللامبالاة.
– الإهمال في الواجبات.
– الاكتئاب.
– الصراعات النفسية.
أمَّا على المستوى الاجتماعي:
– التأخُّر والتسَرُّب المدرسي.
– مُصاحبة الرفقة السيئة.
– السلوك العدواني والعنيف مع الأهل، ومع الجيران والأصحاب.
– السرقة والقتل وغيرها من السلوكيات المنحرفة.
– ناهيك عن آثارِها على حوادث السير والمرور، وتعريض سلامة الناس وأمنهم للخطر.
خصائص المراهقين، وأسباب انحرافهم:
الخصائص المميزة للمراهقين الجانحين:
أمكنتنا بعض الدِّراسات التي أجريت على بعضِ الشباب المنحرف بالمملكة العربية السعودية من الوُقوف على أبرز الخصائص الاجتماعية، والاقتصادية، والبيئيَّة، والتعليمية، التي تقفُ وراءَ هذه السلوكيَّات السلبية، وما مَيَّزها من توافُقٍ بين عُمر الشاب ومُستواه التعليمي ونوعية سُلُوكه الانحرافي، إضافةً إلى المستوى الاقتصادي لأسر الشباب، وإليكم الآن أبرزَ هذه الخصائص:
1 – العمر:
سجلت الدراسة الفئة العمرية الأكثر ميولاً لهذه الممارسة الانحرافيَّة، فكانت مقدرة ما بين ١٦ – ١٨ سنة، وهذه الفترة من حياة الإنسان عادة ما تُصاحبها بعضُ التغيُّرات الفيسيولوجية والنفسية لدى الشاب؛ إذ المطلوب التعامل بحذر وحرص كبيرَيْن مع الشاب؛ حتى يُنشَّأَ نشأةً صالحة في ظل القيم والمبادئ الإسلامية.
2 – المستوى التعليمي:
للمستوى الدِّراسي والتعليمي حضورٌ بارز في هذه الدِّراسة؛ إذ لوحظ أنَّ نِسَب ممارسة السلوك الانحرافي يَزداد ارتفاعُها بين الشبابِ المفتقر للتعليم والدِّراسة، سواء كان هذا الافتقارُ كليًّا كالأُمِّيِّين أو جُزئيًّا، كالمتسربين من المدارس، أو الذين لم يُكتَب لهم قدر كافٍ من التعليم، فلهذا العلاقةُ مُطردة بين المستوى التعليمي ومُمارسة الانحراف لدى الشباب.
3 – طبيعة الانحراف:
لا تَختلف أشكال الانحراف في المملكة العربية السُّعودية عن باقي دُول العالم – حسب الدراسة – حيثُ تَحتل السرقةُ صدارةَ هذه الممارسات، ثم تليها السلوكيَّات العُدوانية، كالاعتداءات والمشاجرات، وبعدها تأتي آفةُ المخدِّرات، مرورًا بالمخالفات المرورية.
البيئة السكنية:
للكثافة والتجمُّعات السُّكَّانية تأثير بارز في زيادةِ نِسَبِ الانحراف؛ إذ سجلت الدِّراسة أنَّ عددَ الشباب المنحرف عادة ما يزيد في المناطق الشعبية الآهلة بالسكان.
أسباب انحراف المراهقين:
الأسرة:
مما لا يَختلف فيه اثنان أنَّ للأسرة دورًا بارزًا في رسم معالم الأجيال وتكوينها؛ حيثُ إنَّها دعامة المجتمع ونواته الأولى، وتأثيرها على الفرد تأثير مباشر، فمنها يستمد أخلاقه وسلوكه، وعلى ضوء ما يتلقَّاه الفرد من أسرته تتحدَّد معالمه ومناهج حياته؛ ولذا كان لزامًا على الأسرة أن تقوم بواجبها على أكمل وجه تُجاه أفرادها، وتُلقِّنهم المبادئ الإسلامية والقواعد السليمة؛ حتى ينشؤوا نشأةً خالية من كل أنواع الزَّيغ والانحراف، وغالبية الشباب الذين يَجنحون لممارسة السلوك الانحرافي عادة ما يعانون تفكُّكًا أسريًّا، كالطلاق مثلاً، أو وفاة أحد الوالدين، أو التي تستعمل أسرهم أساليب وأدوات تربوية غير صحيحة.
المدرسة:
للمدرسة أيضًا تأثيرٌ على سلوك الشباب لا يقل أهمية عن دَوْرِ الأسرة؛ لأنَّ الشابَ يقضي مُعظمَ أوقاته في أقسامها، فهي على مقربة من المتمدرسين، وعلى دراية تامَّة بالمتغير والثابت من أحوالهم وشؤونهم، ولهذا وجب عليها أنْ تقومَ بالدَّور المنوط بها من توجيه للشباب، وإرشادهم وتقويم سلوكهم، وعليها أن تكسب ثقتهم، وتزيل جميع العقبات والحواجز بينها وبين طلابها.
وكما كشفت عنه الدراسة، فإنَّ غالبية الشباب المنحرف ليس له تواصُل طبيعي، ولا انتظام في الدراسة.
الحي:
ما قيل عن الأسرة والمدرسة يقال أيضًا عن الحي؛ إذ إنَّ للحي تأثيرًا بالغًا على حياة الشاب وسلوكه، إمَّا سلبًا أو إيجابًا، فعادةً ما يُشكِّل الحي مصدرًا يتلقى منه الشاب طباعَه وأخلاقه، فتارة يشكل امتدادًا لما يتلقاه الشاب من أسرته من التوجيه والإرشاد، وتارة أخرى يكون عكس هذا تمامًا، فيُسْهِم في انحراف الشاب وميوله إلى السلوك السلبي.
وكما هو مشار إليه في الدراسة، فإن شباب الأحياء الراقية أقل جنوحًا للممارسات السلبية مُقارنة بالأحياء الأخرى.
القرناء:
لا شك أنَّ للقرناء نصيبًا كبيرًا في التأثير على الشباب، ومُمارساته السلوكية، فكلنا يَعْرِف أنَّ الخليلَ على دين خليله، وكل قرين بالمقارن يقتدي، وعادةً ما يتَّخذ المراهق الصاحبَ والخليل كرمز يقلِّده ويتأثر به، ولهذا حرص دينُنا على أهمية هذا الأمر، ونَبَّه إلى خطورة مُخالطة الأشرار وجُلساء السوء، حاثًّا المؤمنين على ربط صلاتهم بالنَّماذج الصالحة التي تدعو للخير وتحث عليه، وقد وجه الله – تعالى – نبيه – صلَّى الله عليه وآله وسلم – إلى هذا الأمر قائلاً: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28]، ولهذا وجب على الأسرة أن تراعي هذا الجانب، وتفقُّد أبنائها والصحبة التي يختارونَها، كما قدمت الدِّراسات التي بينت أنَّ تأثير القرناء في الممارسات الانحرافية بارز وواضح؛ لأنَّ غالبية هذه الممارسات تَمَّت مع رفقاء وأصحاب السوء.
وسائل الإعلام:
أثبتت الدراسات بما لا يدعُ مجالاً للشك أنَّ وسائلَ الإعلام – السمعية والبصرية – لها ثقل ودَور كبير في التأثير على حياة الناس وسلوكهم، فقد أهَّلها موقعها أن تَحظى بالمتابعة والاهتمام من قِبَل أطياف المجتمع ككل، فصار الكل يسعى لاستهلاك مُنتَجِها، واستيعاب ما في جُعبتها، ولعلَّ هذه الأجهزة الثَّقيلة قد أسهمت بقسطٍ وافر في إبعادِ النَّاس عن دينهم وعقيدتِهم، وصرف النَّاس عن الغاية التي خُلِقوا من أجلها، وأوجدهم الله لتحقيقها، ومن أبرزِ ضحايا هذه الوسائل الشبابُ الذين حجمتهم، وقلصت مواهبهم واهتماماتهم، وغمستهم في بحارِ الهوى والرذيلة، وصاروا رابضين عن العِزَّة، ورابضين عن معالي الأمور، يَتقلبون بسببها في الشهوات، ولا يُفكرون أبعدَ من غرائز النفس ولذاتِها، وقد انكشفَ من خلال هذه الدِّراسات أنَّ مشاهدة الأفلام تُلقي بظلالِها على سلوك الشباب وممارساتهم.
والعينات التي أُجْرِيَت عليها التجارب تُفيد أنَّ هناك تجاوبًا حاصلاً بين الشباب والبرامج التي يُتابعونها، وقد تبين أنَّ الأفلام التي تثير الغرائز تكون دافعةً للجنوح والسلوك العُدواني لدى الكثير من الأحداث؛ ولهذا كثيرًا ما يتحدَّث أهلُ الاختصاصِ، ويُحذِّرون من متابعة الكثير من البرامج، والتي تؤثر سلبًا على سلوك الفرد، كالأفلام التي تدعو للعُنف والجريمة وغيرها، ويُؤكِّدون انعكاسَ هذه الأفلام على حياتهم، وما يقع في المجتمع اليومَ من الصور المُرَوِّعة التي تقشعرّ لها الأبدان – كالقتل، والخطف، والاغتصاب – إلاَّ محاكاة لهذه البرامج والأفلام.
التدابير الوقائية بعد ما أمكننا هذا العرض المستفيض من الاطلاع على الدوافع والأسباب، التي تقف وراءَ مَزالق الشباب، وولوغهم في عالم مليء بالزَّيْغِ والانحراف، وبعدما حددت لنا هذه الدراساتُ الوافية منبعَ هذه الممارسات السلبية، سيسهل علينا الآن – بإذن الله تعالى – التطرُّق إلى الأدوات والآليَّات المُزْمَع اتِّخاذُها في سبيل تقويم سلوك هذه الفئة وإرشادها إرشادًا صحيحًا على ضوءِ نصوص الكتاب الكريم، والسُّنَّة النبوية المطهرة؛ حتى نضمنَ لهذا المجتمع لمعان بريقه الديني، ونؤمِّن طهارته وسلامته من الأمراض والآفات.
ولهذا؛ ستكونُ بدايةُ رحلتنا مع هذه الحلقة المهمة في هذه السلسلة، ألا وهي الأسرة، فالبيتُ الإسلامي هو مربط الفرس في هذه المسألة، فلا بد أن ينتدب لهذا البيت امرأة صالحة ذات دين وتقوى، تراعي الله – عز وجل – وتراقِبُه وتلتزِمُ بالضوابطِ الشرعية والمبادئ الإسلامية في تصرفاتِها ومعاملاتِها، وأيضًا وجب على الزَّوج أن يكونَ الرجل المثالي الوقَّاف عند حدود الله – تعالى – الحريصَ على طاعتِه، والساعي لكسب عَفْوِه ورضاه.
وحينما نركِّز حول أهمية الأسرة، ونُسلط عليها الضوء؛ لأنَّها في الحقيقة اللبنة الأولى في المجتمع، وهي التي يستمد منها الفرد أخلاقه وسلوكه، وهي التي تتحدد بموجبها معالم الأجيال، ولهذا وجب على الأسرة أن تتعامل وتتعاطى بجدية وعزم صادقَيْن مع أفرادها، فترشدهم الإرشاد الصحيحَ، وتقومه التقويمَ السليم، وتُهيئ لهم جوًّا من الإيمان والصَّلاح، وتغرس في نُفُوسهم بذرةَ الخير والبِر، ويرفق هذا اتِّباع أساليب تربوية صحيحة مُستمدة من الفهم والإدراك الحقيقي لمعاني الكتابِ الكريم والسنة النبوية المطهرة، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام والتحية.
ومن الأساليب الخاطئة في التربية: تدليلُ الأبناء، أو القسوة عليهم، أو التفريق والتمييز بينهم في المعاملة، وكلها أساليب نهانا عنها شرعنا الحنيف، ولتحرص الأسرة على أن يكون جوُّ البيت هادئًا يُميزه الحوار والنُّصح والتفاهم، بعيدًا عن المشاحنة والشد والجذب، فتقترب من أبنائها وتلج إلى سويداء قلوبهم، وتغمرهم بالعطف والحب، وتنقل إليهم رسائل بين سطورها مشاعر فَيَّاضة تَجيش بالوُد والحنان، وواجب الأسرة أيضًا يتمحور حول اطِّلاعها على ما يتعلق بحياةِ أبنائها صغيرًا كان أم كبيرًا من المعاملات والعلاقات وغيرها، فتشعرهم بوجودهم، وتشعرهم دومًا بأنَّهم يتابَعون باهتمام بالغ، وأنَّهم محل مراقبة مستمرة من قبل ذويهم وأهليهم.
الاهتمام بالتعليم:
لا تقلُّ رسالة التعليم أهميةً عن رسالة الأسرة، فهي تُشكِّل امتدادًا واضحًا لها إذا ما اعتمدت نفسَ المقاييس التي تطرقنا لها في حديثنا عن الأساليب الواجب اعتمادها من قبل الأسرة؛ لأنَّ المتمدرس غالبًا ما يَقضي وقتًا معتبرًا بين أسرته ومَدرسته، وقد تَختلف في المدرسة صورةُ الطفل عما هي عليه في البيت، وتتجلى واضحةً من خلال اختلاطِه بالآخرين واحتكاكه بهم، وعليه فإنَّ مهمةَ الهيئة القائمة بالعملية التعليمية حساسٌ جدًّا، فالمدرسة لها اتصال مباشر مع الطالب، وعليها أن تكون له نعم المعين، ونِعْمَ المرشد.
ويَجب أنْ لا تقتصر فيما توجهه له من جانب تعليمي فقط، بل يتجاوز دورها إلى الجانب التربوي، من خلالِ مُلاحظتها لسلوك الطالب خلالَ الفصل والدراسة، وإذا ما لاحظت سلوكًا غير سويٍّ منه، وَجَبَ عليها أنْ تقومَ بواجبها التربوي المبني على المناصحة والتوجيه والإرشاد.
وهنا لا بُدَّ من رسالةٍ نُوجِّهها إلى المدرس؛ لكونه دائمَ الاحتكاك بالطلاب، ومطلعًا على كثير من أحوالهم، هذا المربي – لما له من قيمة وقَدْرٍ لدى الطلاب – وَجَب عليه أن يكون على قَدْرِ هذه المسؤولية المنوطة به، وعليه أنْ يُؤدي واجبه كاملاً غير منقوص تُجاه الطلاب والمتمدرسين، وعليه أنْ يَتَّخذ جميع الوسائل التي يُمكنه بموجبها أن يُقوِّمَ سلوك الطلاب، ويرشدهم بها للتي هي أقوم، فعليه أن يكون ناصحًا أمينا لهم، يقوم بدَوْرِه كأبٍ أو كأخ أكبر غيور عليهم، حريص كلَّ الحرص على إرشادهم وتنوير عقولهم وقلوبهم، آخذًا بأيديهم إلى ما يضمن لهم راحتهم وسعادتَهم، ونائيًا بهم عن مهاوي الانحراف والتِّيه، ولن يتأتى له هذا إلاَّ إذا كسب ثقتهم، وفتح قنوات الاتِّصال معهم بالحوار والتناصُح والتآخي، ثم لن يكون هناك ثَمرة لمجهوداته إلاَّ إذا كان هو أولَ المتمسكين بما يدعو الطلاب إليه، بمعنى: لا بُدَّ أنْ يكون المثالَ الأبرز والقدوة الصالحة لطلابه، داعيًا ومرشدًا لهم بسلوكه وأخلاقه، وعلى الساهرين أيضًا على العملية التعليمية أنْ يقفوا عند قضايا الانقطاع عن الدِّراسة، والعزوف عنها، وذلك بالاتصال بأولياء أمور الطلبة في إيجاد الحلول المناسبة لهذه الظواهر.
التدابير العلاجية:
أعتقدُ أنَّ علاج ظاهرة الانحراف لدى شبابنا مهمة يحمل أعباءَها الكلُّ، ولا تقتصر على جهة معينة؛ إذ إنَّها قضية يشترك فيها الجميع، فالقضية قضيةُ مجتمع ككل، ولهذا كان دور الأسرة لا يقل أهمية عن دور المدرسة، ودور المدرسة لا يقل أهمية عن دور الجامعة، ودور الجامعة لا يقل أهمية عن دور المسجد، وهكذا فكأنَّها منظومة متكاملة يسعى رُوَّادُها للاعتكاف والوقوف عند الممارسات السلوكية للشباب، وتقويم مكامن الخلل فيها؛ ولهذا وجب على هذه الهيئات أنْ تَحرص على غرس الوازع الديني في نفوس الشباب، فواجب الأسرة تُجاه الفرد منذ الوهلة الأولى هو تنشئتُه تنشئةً صالحة، وإعدادُه إعدادًا سويًّا سليمًا، وصبغه بالصبغة الدينية، كما حَثَّت على هذا الآياتُ الكريمات والأحاديث الشريفة من تعليم الطفل الصلاة وتأديبه عليها، وعدم التمييز بين الأبناء في المعاملات.
ناهيك عن مصاحبتهم، وكسر الحواجز بينهم، من خلال محادثتهم وفتح مجال للحوار معهم بكل شفافية وصدق، وإلحاقهم بالمدارس والكتاتيب القرآنية التي تُسهم في رفع رصيد الأبناء الديني، وتنمي كثيرًا من الجوانب الخيرة في نفوسهم، ثم التدرُّج في المعاملة مع الأبناء على حسب مراحل عمرهم أيضًا بالإرشاد والتوجيه، مع الأخذ في الحسبان التغيُّرات الحاصلة في سن الشباب.
وعليهم أنْ يُهيِّئوا جوًّا متميزًا يسوده الحبُّ والوُد مع الأبناء، يكون بموجبها تطعيمًا وتأمينًا صحيًّا لهم من الرفقة السيئة، والصحبة الفاسدة، ولا ينساقوا للأهواء الضَّالة والآراء الخارجية المنحرفة، وليحرص الآباء على محاصرة وقت فراغ أبنائهم، وذلك بِمَلْئِه بما يرجع عليهم بالفائدة والأجر، كالاستماع للأشرطة الدينية، والمحاضرات الإسلامية وغيرها.
ثم يأتي بعد ذلك دَورُ المربين والمعلمين والتربويين والدعاة والمصلحين، وكل هؤلاء الفاعلين في المجتمع لا تقل أهميةُ جهودِهم عن الآباء في السلوكِ بالشباب طريقَ الصواب، وإبعادهم عن سُبُل الزيغ والانحراف، فكأنِّي بها حلقات مُرتبطة ببعضها البعض، كل واحد منها يُشكل امتدادًا للآخر، وتكملة لرسالته، وهذا ما نقصده بقولنا: علينا أنْ تَتَكاتف جهودُنا؛ أي: هناك نوع من الاشتراك والاتِّحاد في هذا الصدد والسبيل.
ملحوظة:
أردت أنْ أسلط الضوءَ على حلقة مُهمة لها دورُها البارز والريادي في مُجتمعاتنا، والتي يُؤهلها موقعها لأنْ تكونَ من بين أبرز الوسائل إلى احتضان الشباب، والابتعاد بهم عن سبل الهلاك والانحراف، هذه الحلقة هي المسجد، وكُلنا على درايةٍ بأنَّ للمسجد رسالةً مدوية يصلُ صداها إلى أقصى الأماكن وأبعدها، ولو وقفنا عند سيرة نبينا – صلى الله عليه وآله وسلم – لأدركنا كيف عُنِيَ الإسلامُ بأهمية هذه الأماكن والبقاع، فأول ما فعل النبي – عليه السَّلام – عند مَقدمِه المدينة بنى المسجد، وهذه رسالةٌ قوية لنا من أنَّ بيوتَ الله ليست فقط أماكن تعقد فيها الصلوات فحسب، بل هي بقاع آمنة لإشعاعات فكرية وحضارية تلتقي وتمتزج فيه الأرواح المؤمنة؛ لرص الصفوف وتوحيد الكلمة.
وحينما نتحدَّث عن المسجد، فهذا يقودنا مباشرة للحديث عن الإمام، فهو أحد وأهم وأبرز الشخصيات الفاعلة في المجتمع، والذي يُمكن من خلال دَوْرِه أن يُسهم بقدر كافٍ في سبيل تقويم سلوك الشباب وإبعادهم عن أنواع الانحراف والممارسات السلبية.
هذه الشخصية، وكلُّنا على دراية بأهميةِ هذه الشخصية ودَورِها البارز في مجتمعاتِنا؛ إذ إنَّ الإمامَ يحظى بمكانة مرموقة بين الناس، وله سُمعة طيبة بينهم، وكثيرًا ما يأخذ الناس عنه أقواله على محمل الجد؛ لأنَّه ينهل من أقدَسِ المصادر التي يُبجِّلها العامَّة والخاصَّة، ألاَ وهي الكتابُ الكريم والسنة المطهرة.
نقول على ضوء هذا الكلام: لو كان كلُّ إمام – سواء كان إمامَ الحي أم إمامَ القرية – يأخذ على عاتقه مسؤولية الشباب وهدايتهم على مُستوى حيِّه أو قريته، لقطع شوطًا مهمًّا، واختزلت الكثير من العقبات في هذا الصدد؛ لأنَّ الإمامَ بسُمعته الطيبة، وبكلماته التي تحظى بالقبول له إمكانية التأثير على عقول شباب حيه أو منطقته، فليعكف كلُّ إمام على تنوير شباب حيِّه، وإسداء النصيحة والمشورة لهم، يقصدونه لبسط همومهم واهتماماتِهم على مائدته، وهو يقوم بدَوره بعلاج جوانب الانحراف من مُمارساتِهم على ضوء كتاب الله الكريم، وسنة رسوله المصطفى – عليه الصلاة والسلام.

تحميل الكتاب